lundi 14 septembre 2009

تحية إلى فرقة الحمائم البيض تأثّرا بحفلها الذي أقامته بدار بن عبد اللّه يوم 8سبتمبرا2009


تحية إلى فرقة الحمائم البيض تأثّرا بحفلها الذي أقامته بدار بن عبد اللّه يوم 8سبتمبر 2009

لم يكونوا أربعة فقط...

معهم على الرّكح كانت الاتهم كائنات تحسّ- تنطق- تبكي تغنّي - تتأوّه – ترقص و معهم على الرّكح كانت أرواح خيّرة كثيرة: حمّادي العجيمي- فرانز فانون –محمود درويش – منوّر صمادح – شهداء من قفصة و الرديّف و فلسطين و اليابان ...

و معهم في القاعة ثلّة عاشقين كانوا في بداية الحفل نوعين: بعضهم منهم و بعضهم جمهور, و غدوا و الحفل يحفل صنفا واحدا : جزءا منهم – أهلهم – اخوتهم – أبناءهم- طيورا على شجرتهم العتيقة الصّلدة المشرّشة في الزمن زاهية الأغصان و الأوراق المعرّشة نحو اللأفق البهيّ.

منذ زمن انقطعت, أو كدت , عن حضور سهرات الموسيقى و الغناء الشبابية ...

حتّى حاصرتني لينا من كلّ الجهات و أفهمتني برفق أنّني أخسر من عمري شيئا يمكن أن أملأه بما هو أحلى و أبهى و أفضل و أنفع.

كنت أعرف منتذ زمن موسيقى و غناء " الحمائم البيض"... لكنّني لم أحضر لهم عرضا أو هكذا يخيّل لي ... فقد أكون حضرت مطلع الثمانينات...

في البدء كنت محتارا و محرجا: ماذا أفعل مع شبّان و شابّات كالعسل أنا من غزا الشّيب رأسي؟ و عندما رأيتهم ضحكت من نفسي: ها أنّهم مثلي أو يكادون: فعلت بهم الأّيّام ما فعلت هم أيضا... و هاهي الفرقة هي الفرقة بأعمدتها الأصليّة العتيقة.

و منذ انطلق الحفل غمرني الانبهار:

مازال في هذا الزمن الحزين المنهك من يعرف "فانون"! و مازال هنا من يهمّه أن يذكر "فانون", ومن يلهمه "فانون"!

و شدا العود و الكمنجة و الناي و الكلمبري ,و تراقصت كلمات من نور فلم أعد أدري بأيّ عضو أرى و بأيّ عضو أسمع و احتضنتني كريش حمامة تحضن فرخها موسيقى راوحت بين التأنّي و بين سرعة الوتائر. و رأيت الآلات تتغامز- تتهامس – تتناجى – تواسي بعضها بعضا- تتقاسم الأدوار – تتناغم – تكاد تقفز. و معها سمعت الحروف الضوئية تتشكّل كلمات مفاتيح : الإنسان – الثائر , القارّات , الأصوات الصفراء و السوداء, الجيش الفرنسي , حركة العالم الثالث , الأحلام هي أيضا عصيّة الإرادة , اللّعنة و الملعونون , العصاب, أن نكافح أو أن نفنى , الاستعمار , هل ستتعافى ؟, الحرية , علامة السؤال...

و من الموسيقى إلى الكلمات الضوئية إلى حركات العازفين الأربعة إلى رقص الآلات إلى سحر الأضواء و الديكور إلى الجمهور الذي انصهر في العرض لم أعد أعرف أين أنا –من أنا , حلّقت جدّفت في البحر بعيدا , تداخلت الأزمان فيّ, تقاطعت دروبي , ركبت مشاعري- أفكاري – هلوساتي بعضها بعضا و قادتني حركات الفكر – الموسيقى – النغم –وجه "فانون" إلى صحاري -خلاء-صفاء-قلق- حزن- فرح راقص – تمرّد – تعب – مناجاة – تسآل ,إلى مدن غربية فيها " جون بول سارتر" و "حاملو الحقائب" , إلى جبال الأوراس يينع فيها الربيع بعد برد بارد, إلى قيتارة " جيمي هندريكس" تتساقط من خيوطها قنابل غادرة تطغى على النشيد الوطني " لليانكي" إلى موسيقى الجاز حيث يخيّم التناغم و التآخي و تزول الحدود و القيود و ينبري العازفون يتناجون – يتناقشون – يتواصلون بعزفهم دون سابق إعداد و لا تنسيق في لحظات إشراق و متعة كم أبدع في وصفها "مز مزروو"...

ولم يكن "فانون" لا حيث ولد, ولا حيث عاش , ولا حيث مات , ولا حيث دفن , ولا حيث نقلت رفاته : كان بيننا و فينا , رأيته يتسلّل من بين أوتار العود و يلبس هو أيضا قميصا قطنيا أسود عليه حمامة بيضاء و اسم الفرقة, ثمّ رأيته بعد ذلك يرقص – يضحك – يبسم – يتساءل.

لقد عذّبتموني أيّها الأولاد, عذّبتموني عذابا عذبا!

في كياني تراقصت كلمات – مفاهيم – صور – نغمات فأحسستني غرّا بين يدي أمّي تهدهدني – عنفوانا يتمرّد يعيد صياغة العالم و يرنو أن يكون ك" غيفارا", يعشق ما كتبته "روزا لكسمبورغ", يودّ لو كان ولد في زمن أبكر و لم يضع عنه شرف حرب التحرير , يتشظّى فهو هناك في الفياتنام, وهو كذلك في فلسطين و ظفار و في أمريكا اللّاتينية مع حملة الشعر و المنشور و السلاح ...

لقد سمعت في موسيقاكم بل تشرّبت منها أنينا - تيها- قطرات ماء – سفرا وراء فكرة – و سرحت معها حيث الظلّ ظلاّ, وحيث لا يتناقض الأبيض و الأسود , وحيث الثلوج هناك في جبال "جرجرا"... سمعتكم تصرخون كما صرخوا ...أحسستكم تنتشون و تمرحون ...

تلاعبتم بي : حيرة فاطمئنان فتلاش , فتركيز, فأنين ,فارتياح, فركض , فهدوء , فرفض..

ملعونون في الأرض أنتم لكنّكم قادرون على الفرح : تفرحون و ترشّون الفرح من حولكم نورا يعيد الحياة و يديمها !

بعد "فانون" أصبحت كالمجذوب –كالصوّفي – كالمنوّم :

رأيت حمّادي العجيمي حيّيا خفرا يبسم و لا يكاد ينبس بشفة حتّى خلت أنّني لو نزلت حبنها إلى شارع باريس فإنّني لا شكّ ملاقيه ... و أطلّ عليّ من الذاكرة منوّر صمادح هذا الجرح الذي سيظلّ ينزف فينا : أما م " ابن رشيق " التقينا و إلى حانة مجاورة لحديقة برشلونة مضينا ك هو و المختار اللّغماني و محمّد لحبيب الزنّاد و عمّار منصور و منصف الوهايبي ... آه كم أنا غبيّ! نسيت مرّة أخرى أن أجمّع قصاصات الأوراق التي أعطاناها النادل لمسح الأصابع فأضحت قصائد و رسوما و كلمات ...

عرضكم أيّها الحمائم البيض كان لحظات ... غير أنّها كانت لحظات بعمق الزمن – مسافات لا حدّ لها –رحبا رحبا كالأفق الأزليّ- نسمات تدغدغ جبال بلادي – وعرها – و سهلها ...

و مضيتم تغنّون الكلمات تتكلّمون – تتأوّهون - تهدرون ...

و بمعزوفتكم عن الشغاّلين اجترحتم للفرح مقاما حتّى و الكدح يدمي و الجهد يضني و العسف يؤذي.

لقد طلب الورد فأعطيتموه وردا و أكثر ...و رأيت طيورا كثيرة جميلة و رقيقة بيضاء و ملوّنة تستجير بجذعكم ... رأيت الموسيقى و السرور و البهجة و الوفاء تستظلّ بكم – تسكنكم و تشعّ من سواد قمصانكم يغدو ألوانا ز اهية تحلم .

بعد ذلك رأيتكم تغادرون كلّ شيء – تعزفون لهواكم لفرحتكم – لا تعودون تدركون أين أنتم .

كيف استطعتم أن ترقصوا و تنشدوا و تغنّوا و تشدّونا و ثيقا إليكم طوال الوقت و أنتم واقفون لا تجلسون و لا ترتاحون؟!

إنّكم جذوع لا جوفاء و لا عوجاء: أنتم زيتون هذا البلد العتيق الدائم الأبديّ !


الصادق بن مهني

14سبتمبر 2009




الصادق بن مهني

14سبتمبر 2009

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire